سيد محمد طنطاوي
121
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
هذا ، ومن الآيات التي تشبه هذه الآية قوله - تعالى - : خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ، وأَلْقى فِي الأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ . . » « 1 » . وقوله - تعالى - : أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهاداً . والْجِبالَ أَوْتاداً « 2 » . ثم بين - سبحانه - نعما أخرى لما ألقاه في الأرض فقال : * ( وأَنْهاراً وسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) * . أي : وجعل في الأرض « أنهارا » تجرى من مكان إلى آخر ، فهي تنبع في مواضع . وتصب في مواضع أخرى ، وفيها نفع عظيم للجميع ، إذ منها يشرب الناس والدواب والأنعام والنبات . وجعل فيها كذلك طرقا ممهدة ، يسير فيها السائرون من مكان إلى آخر . « لعلكم تهتدون » بتلك السبل إلى المكان الذي تريدون الوصول إليه . بدون تحير أو ضلال . وقد كرر القرآن الكريم هذا المعنى في آيات كثيرة ، منها قوله تعالى - : واللَّه جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِساطاً . لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً « 3 » . والمراد بالعلامات في قوله - تعالى - : * ( وعَلاماتٍ وبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ) * الأمارات والمعالم التي يضعها الناس على الطرق بإلهام من اللَّه - تعالى - للاهتداء بها عند السفر . والمراد بالنجم : الجنس ، فيشمل كل نجم يهتدى به المسافر . أي ومن مظاهر نعمه - أيضا - ، أنه - سبحانه - جعل في الأرض معالم وأمارات من جبال كبار ، وآكام صغار ، وغير ذلك ، ليهتدى بها المسافرون في سفرهم ، وتكون عونا لهم على الوصول إلى غايتهم ، وبمواقع النجوم هم يهتدون في ظلمات البر والبحر ، إلى الأماكن التي يبغون الوصول إليها . والضمير « هم » في قوله * ( وبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ) * يشمل كل سالك في ظلمات البر والبحر ، ويدخل فيه دخولا أوليا أهل مكة ، لأنهم كانوا كثيرى الأسفار للتجارة ، كما كانوا معروفين بالاهتداء في سيرهم بمواقع النجوم .
--> ( 1 ) سورة لقمان الآية 10 . ( 2 ) سورة النبأ الآيتان 6 ، 7 . ( 3 ) سورة نوح الآيتان 19 ، 20 .